ابن عربي
142
فصوص الحكم
عقد الخلائق في الإله عقائداً * وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه الثاني : أن العارف هو الإنسان الكامل الذي جمع كل صفات الوجود في نفسه فكان بذلك صورة كاملة للحق . ولما كان قلب العارف بمثابة المرآة التي ينعكس عليها وجوده الذي هو صورة مصغرة من وجود الحق ، شاهد الحق في مرآة قلبه وهذا معنى احتواء قلبه عليه . ولا يحتوي قلب إنسان آخر - بل ولا قلب موجود آخر - الحق بهذا المعنى لأنه لا ينعكس على مرايا قلوبهم إلا صور ناقصة للحق ينتزعونها من صور وجودهم الخاصة . ( 3 ) « ورحمته لا تسعه . هذا لسان العموم من باب الإشارة ، فإن الحق راحم ليس بمرحوم فلا حكم للرحمة فيه » . المسألة هنا : هل الرحمة تسع الحق كما تسع الخلق : وهل لها حكم في الحق ؟ يقول إن لغة العموم - وهي لغة أهل الظاهر تثبت أن الرحمة لا تسع الحق لأنه راحم غير مرحوم : اي منْح الوجود للأشياء - وهو المراد بالرحمة - من فعل الحق ، أما الحق فلا يوصف بأنه مرحوم بهذا المعنى . هذا إذا نظرنا إلى الحق في ذاته ، أما إذا نظرنا إليه من حيث تجليه في صور الممكنات وظهوره بها فللرحمة حكم فيه أيضاً ، فإن الوجود يفيض على هذه الممكنات فتظهر بالصور التي هي عليها ، وهذا هو الرحمة بعينها . هذه هي لغة أهل الخصوص التي شرع بعد ذلك في شرحها . ولم يزد في هذا الشرح على ما ذكره سالفاً وكرره مراراً من انتشار النفس الرحماني على صور الموجودات وظهور الحق بمظاهرها : وانتهى من كل هذا إلى أن الرحمة الإلهية قد وسعت الحق أيضاً ، بل هي أوسع من القلب أو مساوية له في السعة . راجع ما ذكر عن المعنى الخاص للرحمة في الفص الأول والفص السادس عشر وما ذكر عن العطايا والمنح في الفص الثاني . ( 4 ) « فالألوهية تطلب المألوه والربوبية تطلب المربوب » .